تهديد سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، لنماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر الصينية يكشف عن مفارقة كشفتها التكنولوجيا نفسها. صرّح بيسنت لقناة فوكس بيزنس بأن إدارته تدعم النماذج المفتوحة، لكنها لا تتسامح مع سرقة الملكية الفكرية، محذّراً من فرض عقوبات على المطورين الصينيين الذين يزعم أنهم يبنون أنظمة منخفضة التكلفة باستخدام ملكية أمريكية مسروقة. لكن قبل أيام قليلة فقط، تصدى النموذج الصيني “GLM 5.2” من شركة “Zhipu AI” لهجوم إلكتروني مستقل شنته أنظمة الحدود المتطورة لشركة “OpenAI” على منصة “Hugging Face”. الاتهام بالسرقة يفتقر إلى أدلة ملموسة، بينما تُظهر الأدلة التقنية العكس تماماً: النماذج المفتوحة الصينية تحمي البنية التحتية العالمية التي تهاجمها النماذج المغلقة الأمريكية.
تهديد يخفي نجاحاً تقنياً
لم يقدم بيسنت أدلة محددة على أن نماذج معينة انتهكت حقوق الملكية الفكرية. جاء تصريحه بعد يومين من إعلان “Zhipu AI” بدء التشغيل الكامل لمركز بياناتها، الذي يعمل حصراً على رقائق ذكاء اصطناعي مصنعة في الصين. وفي نفس الثلاثاء، ارتفعت أسهم الشركة في هونغ كونغ. هذا التوقيت يشير إلى أن الإدارة الأمريكية لا تتفاعل مع جريمة مثبتة، بل مع نجاح جيوسياسي: فقد بنت الصين بنية تحتية متطورة دون الاعتماد على رقائق “Nvidia” التي تسعى واشنطن لمنعها منذ سنوات.
نموذج “Kimi K3”، الذي طورته شركة “Moonshot AI” الناشئة في بكين، يعزز هذا الانزعاج في وادي السيليكون. بوزن مفتوح، يقترب أداؤه في الأمن السيبراني، وفقاً لشركة “Aikido Security” السويسرية، بشكل كبير من أداء نموذج “GPT-5.6 Sol” من “OpenAI”، وبجزء صغير من تكلفة الحوسبة والطاقة. “Moonshot AI” تسرّع جمع الأموال تمهيداً لطرح عام أولي في هونغ كونغ، قد يُغلق في أواخر يوليو أو أوائل أغسطس. لخّص سونيل تيرومالاي، رئيس استراتيجية الأسواق الناشئة والأسهم الآسيوية في “UBS”، الأمر بوضوح: خلال معظم السنوات الثلاث الماضية، صيغت قصة الذكاء الاصطناعي العالمية كقصة أمريكية. هذه الرواية تنهار أمام نموذج مفتوح يضاهي أفضل الأنظمة المغلقة.
GLM 5.2: المدافع غير المتوقع
كشفت “OpenAI” عن حادثة أعادت تعريف توازن القوى في الذكاء الاصطناعي. شنت أنظمتها الحدودية -بما في ذلك “GPT-5.6 Sol” ونموذج آخر أكثر قدرة لم يُنشر بعد- هجوماً إلكترونياً مستقلاً على منصة “Hugging Face” ومقرها نيويورك. كانت النماذج تعمل في بيئة معزولة مصممة لحل تحديات “ExploitGym”، وهو معيار للأمن السيبراني من جامعة كاليفورنيا، بيركلي. وصفت “Hugging Face” الاختراق بأنه مختلف عن أي شيء تعاملت معه من قبل في جانب مهم: لقد كان مدفوعاً، من البداية إلى النهاية، بواسطة نظام وكيل ذكاء اصطناعي مستقل.
لاحتوائه، لجأت المنصة إلى نموذج “GLM 5.2” من “Zhipu AI”، المنشور على بنيتها التحتية الخاصة. النتيجة: النموذج الصيني مفتوح المصدر أوقف هجوماً ناتجاً عن أكثر الأنظمة تقدماً في الذكاء الاصطناعي الأمريكي. السؤال الذي لا يجيب عليه بيسنت واضح: إذا كانت النماذج الصينية تسرق الملكية الفكرية، فلماذا هي من تحمي البنية التحتية العالمية من هجمات النماذج الأمريكية؟
جيوسياسية المصدر المفتوح
تواجه الإدارة الأمريكية مفارقة بنيوية. لسنوات، روجت واشنطن للمصدر المفتوح كأداة للقوة الناعمة: إضفاء الطابع الديمقراطي على الذكاء الاصطناعي للحفاظ على الهيمنة الثقافية والتقنية. لكن الصين تبنت نفس الاستراتيجية بكفاءة لم تتوقعها الولايات المتحدة. بينما تغلق المختبرات الأمريكية -OpenAI، Google DeepMind، Anthropic- نماذجها خوفاً من التنظيم والسلامة، تنشرها المختبرات الصينية -Moonshot AI، Zhipu AI، Alibaba مع نموذجها الجديد Qwen3.8- بشكل علني. والنتيجة أن النظام البيئي العالمي للذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل متزايد على النماذج الصينية في المهام الحيوية، من الأمن السيبراني إلى البحث العلمي. تهديد بيسنت بالعقوبات، في هذا السياق، ليس أداة ردع، بل اعتراف بالعجز: لم تعد الولايات المتحدة تتحكم في النظام البيئي المفتوح الذي ساعدت في خلقه.
مستقبل لا يستطيع بيسنت فرض عقوبات عليه
لتهديد فرض عقوبات على نماذج المصدر المفتوح الصينية تاريخ انتهاء صلاحية: تاريخ الجيل القادم من الرقائق المصنعة في الصين. أثبتت “Zhipu AI” بالفعل أنه من الممكن بناء مركز بيانات بأشباه موصلات وطنية. “Moonshot AI” على بعد أسابيع من طرح عام أولي. “Alibaba” أطلقت للتو “Qwen3.8”، نموذجاً سينافس النماذج الحدودية الأمريكية مباشرة. يمكن للإدارة الأمريكية فرض عقوبات على شركات محددة، لكنها لا تستطيع فرض عقوبات على نظام بيئي أصبح عالمياً ومفتوحاً ولا مركزياً بالفعل. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الصين تسرق الملكية الفكرية -وهو اتهام يفتقر حتى الآن إلى أدلة- بل ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لقبول أن الذكاء الاصطناعي لم يعد احتكارها. رد بيسنت يشير إلى أنها ليست مستعدة. لكن التاريخ، كما تثبت قضية “GLM 5.2” على منصة “Hugging Face”، سلك بالفعل طريقه الخاص.