في السابع من يوليو 2026، وقّعت إحدى وعشرون دولة في جنيف وثيقة ليست مجرد إعلان نوايا حسنة، بل هي أول محاولة جماعية لفرض نظام حوكمة ملزم على البنية التحتية الخوارزمية التي تعمل على بيانات القُصّر. أطلقت إسبانيا وفرنسا وكينيا والبرازيل واليابان وخمس عشرة دولة أخرى، إلى جانب اليونيسيف واليونسكو وخمس منظمات دولية إضافية، “التحالف الدولي لحقوق الطفل وحمايته في عصر الذكاء الاصطناعي”. ليس الخبر في انضمام هذه الدول. الخبر هو فيمن لم ينضم: لا الولايات المتحدة ولا الصين، البلدان اللذان يضمان الشركات التي تصمم وتدرب وتنشر أنظمة التوصية وتعديل المحتوى وتوليف التزييف العميق التي تؤثر بالفعل على ملايين الأطفال. الانقسام ليس أخلاقياً: إنه سياسي، ويكشف من يملك السلطة الحقيقية لتنظيم البنية التحتية الرقمية التي تقوم عليها “السيادة الرقمية”.
الفراغ التنظيمي الذي يريد التحالف سده
تحدد الوثيقة الموقعة في جنيف المخاطر بدقة: “التلاعب، المحتوى الضار، توليد مواد إباحية ومواد اعتداء جنسي على الأطفال باستخدام التزييف العميق، والتقسيم الخوارزمي للقُصّر”. ليست هذه فرضيات. ففي الولايات المتحدة، قضت محاكم بأن ميتا (Meta) “خدعت المستهلكين بشأن سلامة منصاتها” و“عرّضت القُصّر للخطر”، في حين تم توجيه الاتهام إلى ميتا ويوتيوب (YouTube) المملوكة لجوجل (Google) لكونهما “مصممتين لإحداث الإدمان بين القُصّر”. هذه الأحكام، التي استُشهد بها في ديباجة التحالف، لم تمنع الخوارزميات من الاستمرار في العمل وفق نفس منطق تعظيم التفاعل.
يجمع التحالف النمسا والبرازيل وبلغاريا وكندا وجمهورية التشيك وكوريا الجنوبية والسلفادور وإستونيا وفرنسا وإندونيسيا وإيطاليا واليابان وكينيا ولكسمبرغ والمغرب وهولندا وإسبانيا كمحرك، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي. القائمة غير متجانسة: تضم قوى تكنولوجية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، واقتصادات صاعدة مثل البرازيل وإندونيسيا، ودولاً صغيرة مثل إستونيا ولكسمبرغ. القاسم المشترك بينها هو غياب أكبر مطوري الذكاء الاصطناعي في العالم. لم توقّع الولايات المتحدة. ولم توقّع الصين أيضاً. التحالف ليس نادياً للدول الغنية ضد الفقيرة، بل كتلة من الدول تحاول، دون السيطرة على البنية التحتية الحيوية لأشباه الموصلات أو نماذج اللغة الكبيرة، تنظيم آثار تلك البنية التحتية على مواطنيها الأكثر ضعفاً.
اختبار السيادة التنظيمية: من الإعلان إلى القاعدة التقنية
السؤال الذي يحدد مستقبل هذا التحالف هو ما إذا كان سيتمكن من ترجمة مبادئه إلى قواعد تقنية ملزمة. لا يكفي توقيع وثيقة في جنيف. لكي تكون حماية القُصّر من الذكاء الاصطناعي فعالة، سيتعين على الدول الأعضاء الاتفاق على معايير موحدة لتدقيق خوارزميات التوصية، وآليات لحظر التزييف العميق في الوقت الفعلي، وبروتوكولات للتحقق من العمر لا تعتمد على المنصات نفسها. تدفع إسبانيا وفرنسا بالفعل بقوانين وطنية لحظر وصول القُصّر إلى وسائل التواصل الاجتماعي، واتخذت أستراليا وإندونيسيا خطوات مماثلة. لكن تحالفاً من إحدى وعشرين دولة يمكنه خلق سوق من المستهلكين المحتملين حيث تُجبر الشركات التكنولوجية على إعادة تصميم منتجاتها.
أعرب الوزير الإسباني أوسكار لوبيز عن ذلك دون مواربة: “لا يمكن لحقوق القُصّر أن تختفي في العالم الرقمي. كل يوم، يدخل أطفال ومراهقون من جميع أنحاء العالم إلى مواقع يمكن أن تؤذيهم. من واجبنا حمايتهم. لقد جنى بعض المليارديرات أموالاً طائلة من بيانات أطفالنا. يجب أن ينتهي هذا. حان الوقت لتحملهم المسؤولية.” هذا التصريح، الذي أُدلي به في جنيف، ليس نقداً عاماً: إنه يستهدف مباشرة نموذج أعمال ميتا (Meta) وبايت دانس (ByteDance) وتينسنت (Tencent) وألفابت (Alphabet)، التي تعتمد إيراداتها على جمع واستغلال بيانات المستخدمين، بما في ذلك القُصّر. التحالف لا يطلب التنظيم الذاتي: إنه يطلب المسؤولية القانونية.
الدعم المؤسسي كرافعة ضغط
لا يعمل التحالف بمفرده. يدعمه اليونيسيف واليونسكو ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والاتحاد الدولي للاتصالات ومكتب الأمم المتحدة للتكنولوجيات الرقمية والناشئة والمفوضية الأوروبية. توفر هذه المجموعة من المنظمات الدولية شيئين لا تملكهما الدول منفردة: القدرة التقنية على صياغة معايير عالمية، والشرعية السياسية للضغط على الشركات. على سبيل المثال، قام الاتحاد الدولي للاتصالات بالفعل بتنسيق المعايير التقنية للتحقق من العمر في الخدمات الرقمية. أصدر اليونيسيف أدلة إرشادية حول حقوق الطفل في البيئات الرقمية. يمكن للتحالف الاستفادة من هذا العمل السابق لتسريع التنفيذ.
السياق الجيوسياسي يصب في مصلحته. الاتحاد الأوروبي، من خلال قانون الخدمات الرقمية وقانون الأسواق الرقمية، أثبت بالفعل قدرته على فرض غرامات بمليارات الدولارات على شركات التكنولوجيا الكبرى وإجبارها على تعديل خوارزمياتها. يوسع التحالف هذا النموذج من الحوكمة إلى مجال أكثر حساسية: حماية الطفل. إذا نجح في جعل قواعده شرطاً للعمل في أسواق أعضائه، سيتعين على ميتا (Meta) وبايت دانس (ByteDance) وتينسنت (Tencent) وألفابت (Alphabet) الاختيار بين فقدان الوصول إلى تلك الأسواق أو إعادة تصميم أنظمة التوصية والتعديل وتوليد المحتوى الخاصة بها للامتثال للمعايير الجديدة.
خط الصدع الذي يحدد مستقبل الحوكمة الرقمية
غياب الولايات المتحدة والصين ليس حادثاً دبلوماسياً. كلا البلدين لديهما نموذجان متعارضان للحوكمة الرقمية لكنهما على نفس القدر من التردد في التنازل عن السيادة التنظيمية للتحالفات الدولية. تدافع الولايات المتحدة عن التنظيم الذاتي للشركات وقد عرقلت في الكونغرس مبادرات فيدرالية لحماية القُصّر على وسائل التواصل الاجتماعي. الصين، من جانبها، تتحكم بصرامة في المحتوى الرقمي ولكن من خلال الدولة، وليس من خلال المنظمات المتعددة الأطراف. لا أحد منهما سيقبل بأن كتلة تقودها إسبانيا وفرنسا، بدعم من الأمم المتحدة، تضع معايير تؤثر على شركاتها أو منصاتها الوطنية.
لذا، فإن التحالف ليس لفتة رمزية. إنه اختبار للسيادة التنظيمية. إذا نجح في تحويل مبادئه إلى قواعد تقنية، وتم تطبيق تلك القواعد من قبل محاكم أعضائه، فسيكون قد أنشأ أول معيار عالمي فعلي لحماية الطفل في عصر الذكاء الاصطناعي. لن تكون معاهدة ملزمة للجميع، بل مجموعة من المتطلبات التي يجب على الشركات الوفاء بها إذا أرادت العمل في اقتصادات تضم ملايين الأشخاص. في عالم حيث البنية التحتية الرقمية تسيطر عليها جهات فاعلة قليلة، فإن القدرة على فرض شروط الوصول هي الشكل الأكثر واقعية للسلطة التنظيمية.
منظور مستقبلي: المعيار الذي قد يغير قواعد اللعبة
لن يحل تحالف جنيف وحده مشكلة الاستغلال الخوارزمي للقُصّر. لكنه فتح مساراً لم يكن موجوداً من قبل: مسار كتلة من الدول، دون أن تكون مالكة للتكنولوجيا، تنظم آثارها. سيعتمد النجاح على قدرتها على الحفاظ على التماسك الداخلي، وترجمة مبادئها إلى قواعد تقنية قابلة للتحقق، ومقاومة الضغوط التجارية والدبلوماسية من واشنطن وبكين. إذا نجحت، فستكون قد أثبتت أن السيادة الرقمية لا تُحدد فقط بمن يصنع الرقائق أو يدرب النماذج، ولكن أيضاً بمن يضع القواعد التي يمكن بموجبها لتلك الرقائق والنماذج أن تعمل على المواطنين. وهذا، في عالم حيث يكبر الأطفال محاطين بالخوارزميات، هو الحماية الوحيدة الجديرة بالاهتمام.