أعلنت شركة علي بابا عن إطلاق نموذجها اللغوي الجديد “Qwen3.8-Max”، وهو نموذج ضخم يضم 2.4 تريليون معامل، ويُظهر وفقًا للبيانات التي نشرتها الشركة وتحققت منها كل من The Verge وTechNode، أداءً يعادل أو يتفوق على نموذج “Fable 5” من شركة Anthropic في العديد من الاختبارات الداخلية. غير أن اللافت في هذه القصة ليس نتائج المعايير القياسية، بل القرار الاستراتيجي المرافق لها: فوللمرة الأولى منذ أشهر، ستُتيح علي بابا الأسبوع المقبل الأوزان الكاملة لنموذجها الأكثر تطورًا، إلى جانب نسخة مصغّرة منه. وهذه الخطوة ليست تنازلًا لمجتمع المصادر المفتوحة، بل هي مناورة مزدوجة: المنافسة في الأسواق العالمية عبر المصادر المفتوحة، بينما كان النموذج متاحًا في اليوم نفسه للإطلاق على شبكة الحوسبة الفائقة الوطنية الصينية (国家超算互联网). وفي خضم التوتر القائم بين واشنطن وبكين حول التفوق في مجال الذكاء الاصطناعي، قررت علي بابا أن أفضل دفاع يتمثل في بنية تحتية سيادية وأوزان لا يمكن لأحد حجبها.

علي بابا تفتح Qwen3.8-Max: العودة إلى المصادر المفتوحة

خلال الأشهر الأولى من عام 2026، أبقَت علي بابا العديد من إصداراتها الرائدة كنماذج مغلقة الملكية، وهو قرار فسّرته الصحافة المتخصصة على أنه تحول نحو نموذج أعمال أكثر انغلاقًا، شبيه بنموذج OpenAI أو Anthropic. ويمثل فتح Qwen3.8-Max عودة علي بابا إلى المصادر المفتوحة في نماذجها من الدرجة الأولى. وهذه ليست مسألة هامشية: فقد كانت الشركة التي تتخذ من هانغتشو مقرًا لها رائدة في نشر الأوزان المفتوحة عبر سلسلة نماذج “Qwen”، وكان مجتمع مطوريها — وهو من أكثر المجتمعات نشاطًا في النظام البيئي — قد تُرك دون سند بسبب الإصدارات المغلقة.

لهذا القرار قراءة جيوسياسية فورية. ففي سياق تناقش فيه واشنطن كيفية تقييد وصول الصين إلى أرقى الرقاقات الإلكترونية وكيفية التحكم في انتشار نماذج الذكاء الاصطناعي، ترد علي بابا باستراتيجية تجعل اللوائح المتعلقة بتصدير التكنولوجيا شبه غير ذات صلة: فإذا كانت الأوزان مفتوحة، يمكن لأي دولة نشرها على بنيتها التحتية الخاصة. والنموذج متاح بالفعل على شبكة الحوسبة الفائقة الوطنية الصينية، وهي معلومة تحمل دلالة رمزية هائلة: فالنموذج الأقوى للذكاء الاصطناعي لدى علي بابا لا يُعرض على العالم فحسب، بل يُدمج في العمود الفقري للحوسبة السيادية الصينية.

أداء ينافس، وأسعار تكسر السوق

تُظهر بيانات الأداء التي نشرتها علي بابا نموذجًا لا يستأذن أحدًا. ففي اختبارات تقيّم القدرة على البحث العلمي، والاستدلال العلمي بمستوى الخبراء، والتشغيل المستقل للحواسيب، والاستدلال البصري دون أدوات، يحقق Qwen3.8-Max نتائج تضعه في الصف الأول عالميًا.

في منصة Arena.AI، التصنيف النصي الأكثر تداولًا، لا يتفوق عليه سوى نموذج “Fable 5” من Anthropic وثلاثة نماذج من عائلة “Opus”. وتضع The Verge هذه النتائج في سياقها بالتذكير بأن نموذج “Kimi K3” من شركة Moonshot AI، المختبر الصيني الكبير الآخر، يضم معاملات أكثر من Qwen3.8. فالسباق الصيني ليس احتكارًا من علي بابا، بل هو نظام بيئي يعيش حالة غليان كاملة.

لكن حيث يوجه Qwen3.8-Max الضربة الأقوى هو الأسعار. فوفقًا للبيانات المنشورة، تبلغ تكلفة واجهة البرمجة (API) أقل بشكل ملحوظ من تكلفة النماذج المكافئة من Anthropic في السوق الدولية. أي: أداء من الدرجة الأولى بجزء بسيط من التكلفة. وبالنسبة للشركات والحكومات التي لا تريد الاعتماد على المختبرات الأمريكية، فإن هذا العرض شبه مغرٍ لا يُقاوم.

البنية التحتية: العقدة الفائقة “Zhenwu M890” ووكيل “Qwen Office”

لا يقتصر الإطلاق على النموذج نفسه. فقد دمجت علي بابا Qwen3.8-Max في وكيلها الجديد “Qwen Office” (千问办公)، الذي قُدّم في اليوم نفسه، وطوّرت عقدتها الفائقة “Zhenwu M890” (真武M890) لتحسين أداء النموذج في سيناريوهات الاستدلال الوكيلي. كما يُوثَّق حالة استخدام لافتة: عمل Qwen3.8 بشكل مستقل لمدة أسبوعين تقريبًا لبناء إطار عمل لوكيل ذاتي التطور باسم “oh-my-cli”، مع توفر العملية كاملة على منصة GitHub. وليست هذه مجرد عرض مخبري: بل هو نموذج يستخدم نفسه لبناء الأدوات.

إن الجمع بين نموذج مفتوح، ووكيل مدمج، وعقدة فائقة خاصة، يرسم استراتيجية عمودية تذكّر باستراتيجية Nvidia مع CUDA، لكن في الاتجاه المعاكس: فبدلًا من إغلاق النظام البيئي، تفتحه علي بابا لتتحول البنية التحتية الصينية إلى المعيار الفعلي في البلدان التي لا تريد الاعتماد على الغرب. وإن توفر النموذج في اليوم نفسه على شبكة الحوسبة الفائقة الوطنية الصينية يعزز هذه القراءة: فهو ليس مجرد منتج، بل مكوّن من مكونات السيادة الرقمية الصينية.

السياق: سباق لم يعد تقنيًا فقط

يأتي الإطلاق في لحظة توتر قصوى بين وادي السيليكون وواشنطن حول كيفية إدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي والحفاظ على التفوق التكنولوجي الأمريكي على الصين، كما توثق The Verge. لكن رد علي بابا يوحي بأن التفوق الأمريكي لم يعد يُقاس فقط بقدرة الحوسبة أو بجودة النماذج، بل بالقدرة على الانتشار. ففتح أوزان Qwen3.8-Max هو إعلان مبادئ: الذكاء الاصطناعي الصيني لا يحتاج إلى استئذان للوصول إلى العالم.

وتجدر الإشارة إلى أن بيانات الأداء مصدرها في معظمه اختبارات نشرتها علي بابا نفسها وتقييمات لأطراف ثالثة مثل Arena.AI؛ وفي قطاع تُستخدم فيه الأرقام كسلاح تنافسي، فإن الحذر أمر واجب. ومع ذلك، فإن اتساق النتائج عبر منصات تقييم مستقلة متعددة يضفي مصداقية على الأطروحة الرئيسية: Qwen3.8-Max يقع في الصف الأول عالميًا.

فتح هو أيضًا تحذير

قرار علي بابا بفتح أوزان نموذجها الأقوى هو لحظة فاصلة تتجاوز حدود الشركة. فطوال أشهر، كان الخطاب السائد في الغرب أن الذكاء الاصطناعي الصيني متأخر، وأن تفوق المختبرات الأمريكية لا جدال فيه. ونموذج Qwen3.8-Max لا يدحض تلك الرواية تمامًا — فما تزال Anthropic تتصدر في العديد من الاختبارات المعيارية — لكنه يقوّضها بشكل كبير. وبفتح الأوزان، تحوّل علي بابا نموذجها إلى بنية تحتية عامة عالمية، وهو ما لم يفعله أي مختبر أمريكي من الدرجة الأولى بنماذجه الأكثر تطورًا.

السؤال الذي يظل معلقًا هو ما إذا كان هذا الفتح بادرة ثقة أم ضرورة استراتيجية. تحتاج علي بابا إلى الإيرادات، والمصادر المفتوحة لا تضمنها. لكنها تحتاج أيضًا إلى نمو نظامها البيئي، وأن يبني المطورون حول العالم على Qwen، وأن ترى حكومات البلدان الناشئة في نماذجها بديلًا قابلاً للتطبيق عن الاعتماد على OpenAI أو Anthropic. وفي الأسبوع المقبل، عندما تصبح الأوزان متاحة، سنعرف ما إذا كان المجتمع سيستجيب. لكن هناك أمرًا واحدًا مؤكدًا: رقعة الذكاء الاصطناعي لم تعد تُلعب في وادي السيليكون فقط. إنها تُلعب في هانغتشو، وعلى شبكة الحوسبة الفائقة الوطنية الصينية، وعلى خوادم أي دولة تقرر أن السيادة الرقمية تبدأ باختيار النموذج الذي تشغّله. لقد منحتنا علي بابا للتو خيارًا.