عقوبات ذات أهداف خفية: الصين والأتربة النادرة
تجاوز مجلس الشيوخ الأمريكي، يوم الأربعاء، القراءة الثانية لمشروع القانون الذي يشدّد العقوبات الأحادية ضد روسيا وإيران، وانصبّ الاهتمام على موسكو وطهران. لكنّ شرارة الأزمة التكنولوجية العالمية القادمة لا تنبع من الكرملين ولا من الجمهورية الإسلامية، بل من بكين، حيث تملك الصين مفتاح الأتربة النادرة. والذخيرة في هذه الحالة ليست صواريخ، بل معادن.
ووفقًا لجيك فيرنر، مدير برنامج شرق آسيا في معهد كوينسي للمسؤولية الحكومية، فإن الصين لديها على الطاولة خارطة طريق للرد الانتقامي قد تقطع إمدادات الأتربة النادرة عن الولايات المتحدة — وهي الآلية ذاتها التي لجأت إليها في الماضي — وأن تردّ بتعريفات جمركية وعقوبات متناسبة. لم يعد السؤال ما إذا كان سيكون هناك رد، بل متى وبأي كثافة.
التشريع الذي يتقدّم في مجلس الشيوخ الأمريكي ليس إجراءً هامشيًا. فهو يمنح الإدارة القدرة على فرض تعريفات جمركية ثانوية مشلولة وعقوبات ثانوية واسعة النطاق ضد أي دولة تحافظ على علاقات تجارية كبيرة مع روسيا. ومن الناحية العملية، يحوّل الصين — الشريك التجاري الرئيسي لموسكو — إلى هدفٍ مباشر. فيرنر يحذّر دون مواربة: إذا طُبّقت هذه الأدوات بالكامل ضد بكين، فإنها ستقود إلى أزمة في العلاقات الثنائية.
غير أن الحساب السياسي للبيت الأبيض يُدخل فارقًا دقيقًا وحاسمًا. يرى فيرنر أنه ما دام ترامب يسعى إلى علاقة أقل صدامية مع الصين، فإنه سيكبح جماحه عن اتخاذ الإجراءات الأكثر إضرارًا. بعبارة أخرى: مشروع القانون سلاح محشوّ، لكن السلطة التنفيذية الأمريكية يمكنها اختيار عدم إطلاق النار. وهذا الغموض المتعمّد — إقرار تشريع صارم مع تخفيف تطبيقه — هو بالضبط السيناريو الذي تراقبه بكين بصبر.
الاستراتيجية الصينية: إدانة وانتظار وضربة عند الحاجة
الرد المتوقّع من بكين، وفقًا لتحليل معهد كوينسي، سيتبع منطقًا من ثلاث مراحل. أولًا: إدانة علنية لمشروع القانون باعتباره انتهاكًا لمبدأ السيادة عبر فرضٍ خارجيّ للقانون الأمريكي. ثانيًا: انتظار استراتيجي؛ فلن تتخذ الصين إجراءات انتقامية ملموسة حتى تمارس إدارة ترامب فعليًا الصلاحيات التي يمنحها التشريع. ثالثًا: إذا حدث ذلك، سيكون الرد غير متماثل وجراحيًا.
ذلك الفارق الدقيق الذي يستخدمه فيرنر في وصف السيناريو — أن الصين ستعيد قطع وصول الولايات المتحدة إلى صادرات الأتربة النادرة — ليس عرضيًا. فقد استخدمت بكين هذه الرافعة في الماضي بالفعل، والسابقة معروفة في واشنطن. الاعتماد الأمريكي على المعادن الحرجة الصينية لم يُحَلّ؛ بل تعمّق، وتحديدًا في وقتٍ يجعل فيه السباق نحو الذكاء الاصطناعي وتصنيع أشباه الموصلات سلاسل التوريد أكثر عرضةً للخطر من أي وقتٍ مضى.
الأتربة النادرة: سلاح اللا تماثل المطلق
تكمن فرادة الأتربة النادرة كأداة جيوسياسية في عدم وجود بديل حقيقي على المدى القصير. تسيطر الصين على حصة مهيمنة من الإنتاج العالمي لهذه المعادن — وفي بعض العناصر المحددة، مثل الديسبروسيوم أو التيربيوم، تكون هيمنتها أكبر. وهي لا غنى عنها للمغناطيسات عالية الطاقة، والمحركات الكهربائية، وتوربينات الرياح، وأنظمة الدفاع، وبشكل متزايد لتصنيع أشباه الموصلات المتقدمة ومكونات الذكاء الاصطناعي.
قطع الإمدادات لن يشلّ صناعة الإلكترونيات الاستهلاكية فقط. بل سيؤثر على إنتاج الرقائق، ومراكز البيانات التي تغذّي نماذج اللغة، وعلى قدرة الولايات المتحدة نفسها في الحفاظ على تفوقها التكنولوجي. إنه، في نهاية المطاف، سلاح يضرب مباشرةً قلب السيادة الرقمية: من يسيطر على المعادن الحرجة يسيطر، في التحليل الأخير، على من يصنّع تكنولوجيا المستقبل.
المفارقة أن مشروع القانون الأمريكي، المصمَّم لإضعاف روسيا، قد ينتهي به الأمر إلى تسريع أزمة في العلاقة الثنائية الأكثر أهمية في القرن الحادي والعشرين. يلخّص فيرنر ذلك بدقة: التشريع لديه القدرة على إشعال أزمة في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. وهذه الأزمة، إذا جاءت، لن تُخاض في بحر الصين الجنوبي ولا في تايوان، بل في الموانئ التي ترسو فيها سفن الشحن المحمّلة بالمعادن.
السياق الجيوسياسي: أوكرانيا كخلفية
التشريع لم ينشأ في فراغ. فبينما كان مجلس الشيوخ يحرز تقدمًا في تشديد العقوبات، واصلت روسيا حملتها ضد أوكرانيا: فوفقًا لما أوردته Times of Israel، أطلقت موسكو صواريخ باليستية ومسيّرات ضد كييف، ما أسفر عن مقتل تسعة أشخاص على الأقل. ومن جانبها، صدّت الدفاعات الجوية الروسية في يوليو عدة توغلات للمسيّرات الأوكرانية، وفقًا لوكالة تاس الحكومية.
هذا الإطار الحربي يفسّر استعجال الكونغرس الأمريكي في إظهار الحزم. لكنه يكشف أيضًا عن مفارقة الاستراتيجية الغربية: كلما زاد الضغط على روسيا عبر العقوبات الثانوية، زاد دفع الصين نحو تحالف اقتصادي مع موسكو لا تسعى إليه بكين بنشاط، لكنها لن ترفضه إذا أجبرتها واشنطن على الاختيار.
تجدر الإشارة إلى أن تصريحات فيرنر تصلنا عبر وكالة تاس الروسية الحكومية، وهي وسيلة إعلام يسيطر عليها الكرملين. وعلى الرغم من أن معهد كوينسي هو مركز أبحاث مستقل مقره واشنطن وتحليله متسق مع المنطق الجيوسياسي المعروف، لم يتسنَّ التحقق من هذه الادعاءات من مصادر مستقلة إضافية في وقت كتابة هذا المقال.
الصبر كاستراتيجية
الخطوة الصينية، وفقًا لتحليل فيرنر، ليست الرد الفوري، بل الانتظار المحسوب. ستدين بكين مشروع القانون — فهي بحاجة إلى ذلك للحفاظ على سرديتها السيادية في مواجهة التطبيق الخارجي للقانون الأمريكي — لكنها لن تحرّك ساكنًا حتى تُظهر إدارة ترامب ما إذا كانت مستعدة لاستخدام الأدوات التي وضعها الكونغرس بين يديها.
هذا الحذر يكشف قراءة باردة لموازين القوى. تعرف الصين أن الولايات المتحدة تعتمد على أترابها النادرة؛ كما تعرف أن ترامب أظهر علنًا رغبته في تجنّب مواجهة مفتوحة مع بكين. الاستراتيجية الصينية تتمثل في ترك واشنطن ترتكب خطأ عبور الخط الأحمر، ثم الرد بتناسب لا يترك مجالًا للتصعيد الخطابي.
أزمة معلنة لا يزال يمكن تجنّبها
تاريخ العلاقات بين الصين والولايات المتحدة في العقد الأخير هو تاريخ أزمات معلنة نادرًا ما بلغت مرحلة التحقق الكامل. الحرب التجارية، والنزاع حول الرقائق، والتوترات في تايوان: كلها شهدت لحظات ذروة، وكلها وجدت نقطة توازن قبل الانهيار التام. مشروع قانون العقوبات هذا قد يتبع النمط ذاته — شرط أن يقرر ترامب عدم استخدام الأدوات الأكثر تدميرًا — أو قد يتحول إلى الشرارة التي لا يريدها أحد.
ما هو واضح أن الاعتماد الغربي على المعادن الحرجة الصينية ليس مشكلة تُحلّ بتشريع عقابي. بل تُحلّ بالاستثمار في التعدين البديل، وإعادة التدوير، والبحث في مواد بديلة، وسياسة صناعية لا تستعين بمصادر خارجية للسيادة التكنولوجية. وفي غضون ذلك، تحتفظ بكين بمفتاح خزانة الأتربة النادرة، ومجلس الشيوخ الأمريكي ذكّرها للتوّ بأنها تعرف مكان القفل. السؤال ليس ما إذا كانت الصين ستستخدم ذلك المفتاح، بل أي ثمن ستكون واشنطن مستعدة لدفعه كي لا تفعل.