الثلاثاء، قفزت أسهم شركة “زد.آي” في بورصة هونغ كونغ، معوضةً تراجعاً تراكمياً خلال الأسبوع الماضي. وكان المحفز الظاهري هو استكمال مركز بيانات للذكاء الاصطناعي بسعة جيجاوات، يعمل حصراً برقاقات مصنّعة محلياً في الصين. إلا أن السبب الحقيقي وراء حماسة المستثمرين يكمن في صفقة موازية: استحواذ الشركة على “إكس كور سيغما”، وهي شركة برمجيات منبثقة من الأكاديمية الصينية للعلوم، تمتلك تقنية تنسيق عشرات الآلاف من الرقاقات من مصنّعين مختلفين كما لو كانت نظاماً واحداً. في بلد يخضع لحصار تكنولوجي متزايد الشدة، حصلت “زد.آي” لتوها على المادة الرابطة التي توحّد المعدات الوطنية.
مركز بيانات بقدرة 1 جيجاوات: الركيزة الأولى للاستقلالية
المنشأة التي دشنتها “زد.آي” ليست مركز بيانات عادياً. فبسعة جيجاوات - أي ما يعادل استهلاك مدينة متوسطة الحجم - صُمّمت لتدريب ونشر نماذج “GLM” الخاصة بالشركة، وهي عائلة نماذج اللغة الكبيرة (LLM) التي تنافس أنظمة “أوبن إيه آي” و“أنثروبيك” وشركات التكنولوجيا الكبرى الأمريكية. وفقاً لما أوردته “بلومبرغ” أولاً ثم “تيك نود”، فإن جزءاً من المركز أصبح قيد التشغيل بالفعل، وتدير “زد.آي” حالياً عدة مجموعات عنقودية تضم كل منها آلاف الرقاقات.
المراهنة على الرقاقات الصينية حصراً ليست تصريحاً أيديولوجياً، بل ضرورة استراتيجية. منذ أن شددت واشنطن القيود على تصدير أشباه الموصلات المتطورة إلى الصين، فقدت شركات مثل “زد.آي” الوصول إلى أقوى معالجات “إنفيديا” و“أي إم دي” و“إنتل”. وكان البديل هو اللجوء إلى مصنّعين محليين مثل “هاي سيليكون” (قسم أشباه الموصلات في “هواوي”) و“كامبريكون” و“بيرين تكنولوجي” وفاعلين ناشئين آخرين. هذه الرقاقات، رغم كونها وظيفية، تعاني من مشكلتين خطيرتين: فهي أقل قوة من نظيراتها الأمريكية، والأهم من ذلك، أنها غير مصممة للعمل معاً بكفاءة. وهنا يأتي دور “إكس كور سيغما” الذي يُحدث الفارق.
“إكس كور سيغما”: البرمجيات التي تحوّل التشتت إلى ميزة
استحواذ “زد.آي” على “إكس كور سيغما”، الذي أكدته صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست”، هو القطعة التي أكملت ترس آلية الذكاء الاصطناعي الصينية. هذه الشركة، التي وُلدت كفرع من الأكاديمية الصينية للعلوم، تتخصص في برمجيات الحوسبة غير المتجانسة: المترجمات، أنظمة التشغيل الزمني (Runtime Systems)، ومحركات الاستدلال التي تتيح لرقاقات الذكاء الاصطناعي من موردين مختلفين العمل بشكل منسق. عملياً، هذا يعني أن مجموعة عنقودية مكونة من معالجات من “هاي سيليكون” و“كامبريكون” و“بيرين” يمكنها أن تتصرف كما لو كانت نظاماً متجانساً، مما يعظم استفادة كل رقاقة، ويقلص تكاليف الاستدلال، ويسرّع نشر النماذج.
حتى الآن، لم تكن عنق الزجاجة أمام الذكاء الاصطناعي الصيني مقتصرةً على القدرة على تصنيع الرقاقات - رغم أن ذلك لا يزال تحدياً حاسماً - بل امتدت لتشمل العجز عن تنسيق معدات متنوعة بكفاءة. عند تدريب نموذج لغوي بمئات مليارات المعاملات، مثل نموذج “GLM-5.2” الذي وضعته “زد.آي” كأحد نماذج LLM الرئيسية في البلاد، فإن التواصل بين الرقاقات لا يقل أهمية عن القوة الفردية لكل منها. فبدون وسيط برمجي (Middleware) يدير هذا التواصل، تفقد المجموعات العنقودية كفاءتها، وتطول أوقات التدريب، وتصبح التكاليف باهظة. توفر “إكس كور سيغما” هذه الطبقة البرمجية تحديداً.
حماسة السوق: التكامل الرأسي كميزة تنافسية
لا يُفسر الارتفاع في البورصة بمركز البيانات ذي الجيجاوات وحده. لو كان الأمر كذلك، لكان السوق قد تفاعل عند الإعلان عن البناء، لا عند اكتماله. ما يثير حماس المستثمرين حقاً هو التكامل الرأسي الذي تبنيه “زد.آي”: فالشركة تسيطر الآن على المعدات (الرقاقات الصينية)، والبنية التحتية (مركز البيانات)، ومع استحواذها على “إكس كور سيغما”، البرمجيات التي تجعل كل شيء يعمل. في بيئة تفرض فيها ندرة الرقاقات من الجيل الأحدث استخدام معدات متنوعة وأقل قوة، لم يعد عنق الزجاجة الحقيقي هو السيليكون، بل الوسيط البرمجي الذي ينسق مجموعات عنقودية برقاقات من مصنّعين مختلفين. لقد اشترت “زد.آي” لتوها هذه القطعة.
تذكرنا هذه الاستراتيجية بحركات تكامل رأسي أخرى في صناعة التكنولوجيا: فالسيطرة على طبقة البرمجيات التي تجعل المعدات الخاصة بك فعالة تمنح ميزة يصعب تكرارها. في بلد تكون فيه إمدادات أشباه الموصلات مجزأة وخاضعة لقيود جيوسياسية، هذه القدرة تساوي أكثر من أي معالج فردي.
تداعيات جيوسياسية: الحصار التكنولوجي يواجه خصماً جديداً
تحمل خطوة “زد.آي” تبعات تتجاوز المجال التجاري. حتى الآن، كان السرد السائد في واشنطن وبروكسل هو أن القيود على تصدير الرقاقات تخنق تطور الذكاء الاصطناعي الصيني. وكان ذلك صحيحاً جزئياً: فبدون الوصول إلى أقوى معالجات “إنفيديا”، اضطرت شركات مثل “بايدو” و“علي بابا” و“تينسنت” إلى إبطاء خططها. لكن “زد.آي” تثبت وجود بديل: فبدلاً من التنافس على نفس الرقاقات التي يسعى إليها باقي العالم، يمكن بناء نظام بيئي مغلق يستفيد إلى أقصى حد من المعدات المتاحة، مهما كانت متواضعة.
يشير استحواذ “إكس كور سيغما” أيضاً إلى أن بكين مستعدة لدعم هذا النموذج. الأكاديمية الصينية للعلوم هي الهيئة البحثية الرئيسية في البلاد، وحقيقة أنها فصلت شركة برمجيات ليستحوذ عليها فاعل خاص تشير إلى استراتيجية منسقة: الدولة تبحث، والشركات تسوق، والنتيجة هي بنية تحتية للذكاء الاصطناعي لا تعتمد على موردين أجانب. في وقت تتصاعد فيه الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، هذه إشارة واضحة إلى أن الحصار لا يحقق التأثير المطلوب.
نظرة مستقبلية: الوسيط البرمجي كحدود جديدة للسيادة الرقمية
اتخذت “زد.آي” خطوة حاسمة، لكن الطريق لا يزال طويلاً. مركز البيانات بقدرة جيجاوات مثير للإعجاب، لكنه يبدو باهتاً بالمقارنة مع المجموعات العنقودية العملاقة التي تبنيها شركات أمريكية مثل “مايكروسوفت” و“غوغل” و“أمازون”، والعديد منها بقدرات فائقة. كما أن الرقاقات الصينية لا تزال أقل كفاءة من رقاقات “إنفيديا”، والفجوة لن تُسد بين ليلة وضحاها. لكن خطوة “زد.آي” تغيّر المعادلة: لم يعد الأمر يتعلق فقط بمن يمتلك الرقاقة الأقوى، بل بمن يعرف كيف ينسق الموارد المتاحة بشكل أفضل.
قد يكون الإرث الحقيقي لهذه العملية هو أن الوسيط البرمجي للحوسبة غير المتجانسة سيصبح الحدود الجديدة للسيادة الرقمية. فكما حددت السيطرة على أنظمة التشغيل القوة التكنولوجية في عصر الحواسيب الشخصية، وسيطرة محركات البحث في عصر الإنترنت، فإن السيطرة على البرمجيات التي تشغل مجموعات عنقودية برقاقات متنوعة ستحدد عصر الذكاء الاصطناعي. لقد اشترت “زد.آي” هذا المفتاح لتوها. ويبقى أن نرى ما إذا كان فاعلون صينيون آخرون - ومن يدري، أوروبيون أيضاً - سيحذون حذوها، أم أن احتكار الوسيط البرمجي سيصبح ساحة المعركة الجيوسياسية التالية.